تَفقدُ الحوزاتُ العلميةُ والأوساطُ الفكريةُ برحيلِ آيةِ الله العظمى السيد موسى الشبيري الزنجاني (رضوان الله عليه) علماً من أعلام الفقاهة المعاصرة، وشخصيةً علميةً وروحيةً تركت بصمتها الواضحة في مسيرة الحوزات العلمية خلال العقود الماضية. فلم يكن الفقيدُ الراحلُ مجرّدَ فقيهٍ بارز، بل كان نموذجاً متكاملاً للعالم الذي جمع بين عمقِ الفقه، ودقّةِ التحقيق الرجالي، وسعةِ الاطلاع التاريخي، وسموِّ السلوك الأخلاقي. وقد أمضى قرابةَ قرنٍ من عمره المبارك في خدمة علوم أهل البيت (عليهم السلام)، محافظاً على أصالة المدرسة الاجتهادية ومجدّدًا حضورها العلمي.
تابع أيضاً:
إنا لله وإنا إليه راجعون.. وفاة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى الشبيري الزنجاني
تتجلّى خصوصيةُ آية الله الشبيري الزنجاني العلمية في منهجه القائم على التحقيق العميق والتتبّع الدقيق؛ فقد كان علمُ الرجال والتراجم عنده جزءاً أصيلاً من عملية الاستنباط، لا علماً هامشياً أو مجالاً منفصلاً عن الفقه. وكان يرى أن بلوغَ الحكم الشرعي يحتاج إلى فهمٍ شامل للنصوص، ودراسةٍ دقيقة للقرائن، ومعرفةٍ واعية برجال الحديث ومسارات نقل الروايات. وقد منحته ذاكرته التاريخية الواسعة قدرةً استثنائية على استحضار التفاصيل العلمية وربط الأحداث والشخصيات، فكان حديثه في كثير من الأحيان مصدراً مهماً للباحثين في تاريخ الحوزة وتراثها العلمي.
ولم يقتصر أثرُه العلمي على ما دوّنه من أبحاثٍ وآراءٍ فقهية، بل امتدّ إلى منهجٍ علميٍّ متكامل ظهر بوضوح في حلقات تدريسه للبحث الخارج في الحوزة العلمية بقم المقدسة. فقد أسهم في تربية أجيال من العلماء والفضلاء الذين حملوا منهجاً يقوم على الدقة في البحث، والإنصاف في النقد، والتأنّي في إصدار الأحكام، واحترام جهود العلماء السابقين. لقد أثبت (رضوان الله عليه) من خلال مسيرته أن أصالة الحوزة لا تعني الجمود على الماضي، كما لا تعني القطيعة معه؛ وإنما تتمثل في فهم التراث فهماً عميقاً قادراً على استثمار ثرواته والإجابة عن أسئلة العصر.
وكان السمتُ الأخلاقي للفقيد الكبير الوجهَ الآخر لعظمته العلمية؛ فقد عُرف بالتواضع، والوقار، وحسن التعامل، والأدب الرفيع في مواطن البحث والاختلاف. ولم يكن العلم عنده وسيلةً للظهور أو طريقاً إلى المكانة الاجتماعية، بل كان أمانةً إلهية ومسؤوليةً شرعية لخدمة الدين وهداية الناس. وهكذا اجتمع في شخصيته علمُ الفقيه وخشوعُ العابد، ودقةُ الباحث وصفاءُ السالك.
وإننا في الحوزة العلمية بقم المقدسة، إذ ننعى إلى الأمة الإسلامية والمجتمع العلمي رحيلَ هذا العالم الرباني، نؤكد أن فقدانَ هذه القامة العلمية يمثّل خسارةً كبيرة للحوزات العلمية، غير أن آثار العلماء الكبار لا تنتهي برحيلهم؛ فتبقى مدارسهم العلمية، وتلامذتهم، ومناهجهم الاجتهادية حاضرةً في مسيرة العلم والمعرفة.
سيظلّ اسمُ آية الله العظمى السيد موسى الشبيري الزنجاني (رضوان الله عليه) مرتبطاً بمرحلةٍ مشرقة من تاريخ الفقه الإمامي المعاصر؛ مرحلةٍ اجتمع فيها التحقيق العلمي مع التقوى، والعمق المعرفي مع التواضع، والوفاء للتراث مع القدرة على استيعاب تحديات الحاضر. نسأل الله تعالى أن يتغمّد الفقيدَ الكبير بواسع رحمته، وأن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
الكاتب: عليرضا مكتبدار (رئيس تحرير أسبوعية الآفاق)





تعليقك